ماكس فرايهر فون اوپنهايم
80
من البحر المتوسط إلى الخليج
وبما أنه بعد هجرة القبيلتين المذكورتين لا يوجد دليل على قدوم غزوات أخرى من الجنوب إلى سورية ومنطقة ما بين النهرين فإننا نستطيع الافتراض أن جميع القبائل الأخرى التي نجدها اليوم في هذه المناطق هي من بقايا البدو الذين كانوا يعيشون هناك منذ قديم الزمان . وقعت معارك دامية بين عنزة وشمر انتهت بتخلي شمر ، التي كانت دون شك قد تعرفت في السابق خلال غزواتها المختلفة على السهول الخصبة في منطقة ما بين النهرين ، لقبيلة عنزة « 1 » عن سورية وقامت بهجرة جديدة . عبرت قبيلة شمر نهر الفرات ثم راحوا يخضعون لسيطرتهم شيئا فشيئا كامل منطقة ما بين النهرين من خط عرض بغداد حتى الجبال الكردية شمالا . أما سكان هذه المناطق فقد طردوا جزئيا حتى الأطراف الخارجية من مثل قبيلة طيء التي هاجر الجزء الأكبر منها إلى منطقة ما بين النهرين وانقسمت إلى قسمين استقر أحدهما إلى الشمال من سنجار بينما ذهب الآخر حتى إلى ما وراء الدجلة إلى جنوب شرق الموصل وعلى امتداد الزاب الكبير . وأجبرت قبائل أخرى على التخلي عن حياة البداوة والاستقرار في وديان الأنهار . وينطبق هذا بشكل خاص على قبيلة الجبور الكبيرة التي انقسمت أيضا إلى عدة أقسام واستقرت على ضفاف دجلة والخابور وجزئيا على ضفاف الفرات . كما أن قبائل صغيرة مثل البقارة ، وولدة والعقيدات ، أسست مستوطنات سكنية على ضفاف الخابور والفرات أيضا . من المرجح أن هذه التشكلات البدوية الجديدة في سورية ومنطقة ما بين النهرين حدثت على أبعد تقدير في بداية القرن الماضي وظلت على ما هي عليه حتى يومنا هذا « 2 » : لم يزل الفرات يشكل ، كما في الماضي ، الحدود الفاصلة بين
--> ( 1 ) لم تزل عنزة حتى اليوم القبيلة السائدة في البادية السورية . ولقد تجرأت في الخمسينات حتى على غزو مدينة حلب ونهبها بالمعنى الحقيقي للكلمة ، حيث أخذوا كثيرا من الأشياء الثمينة ، لكنها لم تبق طويلا في أيدي البدو لأنهم لم يجدوا لها أي استعمال عندهم ولذلك سارعوا إلى بيعها . ( 2 ) من المرجح أن نزوحا آخر لشمر من وسط شبه الجزيرة العربية إلى بلاد ما بين النهرين قد حدث في النصف الثاني من القرن الثامن عشر . انظر لا يارد ، نينوى وبابل ، ص 194 .